هل الأثر المعرفي في عصر التحول الرقمي حقيقة أم وهم؟! (نوره السبيعي)
تغيرت ظروف المجتمعات في طرق التعلم ووسائله، كنتيجة طبيعية لتغير ظروف العصر ومخترعاته ، فقد زاد العالم تعقيدًا، وتشعبت أحواله، وتضخمت الأعداد البشرية فيه، فأصبح لزامًا أن تتغير حتى أساليب تعلمه، ووسائل معرفته، كسنة من سنن الكون والحياة، وقد ظهر مفهوم التعلم الرقمي في الأربعة عقود الأخيرة، وذلك بعد تنامي تقنيات ووسائط في سرعة نقل المحتوى التعليمي، ومع تطور الاجهزة الإلكترونية وانتشارها بين أوساط الناس، واعتمادهم عليها في مختلف شؤون حياتهم، لحق هذا التطور بأجهزة التعليم كأحد منظومات المجتمع ، مما دعا المختصون إلى الاستفادة من هذه التقنية في تسهيل نقل التعلم الى الطلاب ، والاستفادة منها في رفع كفاءة التعلم والإدراك والمهارات الشخصية ، والتركيز على تعلم المتعلم باعتباره محور العملية التعليمية .
فالتعلم الرقمي هو تقديم محتوى تعليمي إلكتروني عبر الوسائط المعتمدة على الحاسوب وشبكاته إلى المتعلم، بشكل يتيح له إمكانية التفاعل النشط مع هذا المحتوى ومع المعلم ومع أقرانه، فهو يهدف إذًا إلى إيجاد بيئة تفاعلية غنية بالتطبيقات، المعتمدة على تقنيات الحاسب الآلي والإنترنت، وتمكّن الطالب من الوصول إلى مصادر المعلومات بكل يسر وسهولة، و قد كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن التعلم الرقمي وخصائصه المستقبلية على العالم، وانقسم المختصون حول جدواه المعرفية والقيمية على الفرد والمجتمع، ففريق رأى أن له فائدة ضخمة في التعلم وهو فرصة في سرعة وصول المعلومة إلى متلقّيها، فيما رأى فريق آخر أن أضراره المتوقعة كبيرة على المستوى الإدراكي والأخلاقي، والحقيقة أنه لا يمكن الجزم بفائدته ولا التحذير منه ، وإنما يمكن الحكم على تفاعلنا مع هذا الأسلوب من التعليم، وطريقة تعاملنا معه، ومراقبة سلوكنا وقيمنا بعد تعاملنا معه لمعرفة سبب التأثير والتأثر، ولا يكفي الاستشهاد في الحديث عن الجدوى وإيجابية هذا النوع من التعليم، بإظهار الأرقام والإحصائيات التي توضح أعداد الملتحقين أو الدارسين، فتكميم المعلومات أمر ميسر، لكن تفسيرها وفقًا لحقيقة الرقم أمر في غاية الصعوبة والخطورة.
إن التعلم الرقمي ليس نموذجاً ناجزاً، ولا أحد عناصر التعلم، وإنما هو وسيلة حديثة في التعلم، تتشكّل كل حين، وتقوم على استخدام التقنية ووسائل الاتصالات في التعلّم، وتسخيرها لطالب العلم، سواء كان عبر المعلمين أو من خلال التعلم الذاتي، كما يقوم على السرعة في التعلم وهذه إحدى إشكالاته، لأن أصل التعلم هو عملية بطيئة وهادئة ترسخ بفعل الزمن وليس بسبب السرعة، وهذا ما يدفع بنا كتربويين إلى ترشيد هذا الشكل التعليمي، ومحاولة مواءمته ، وتجاوز هناته وأخطائه حتى لا ندفع فاتورة الأخطاء نفسها التي وقعت في التعليم التقليدي.
والسؤال هو : ما الأثر المعرفي المتوقع الذي سيتركه التعلم الرقمي ؟
على الرغم من الإرشادات العديدة حول الإمكانات الضخمة التي توفرها شبكات المعلومات في خلق بيئة تعلم جيدة، واستقبال التغذية الراجعة للمعارف، والتنقيح المتواصل للمعلومات المفهومة، وتصوّر المفاهيم، وبناء المعارف، إلا أن هذا النوع من التعلم لا يضمن تحقيق التعلم الفعال، الذي ينشده المربون، وذلك لأن الاستخدامات غير الملائمة للتكنولوجيا يمكن أن تمثّل عائقاً في طريق التعلم، فعلى سبيل المثال ؛ عندما يقضي الطلاب معظم أوقاتهم في المواءمة بين حجم الكلمات والألوان، وذلك لاستخدامها في التقارير التي تعتمد على الوسائط المتعددة، فإن هذا يفقدهم فرصة تخطيط أفكارهم وكتابتها ومراجعتها، علاوة على الأوقات الكثيرة المهدرة على شبكة المعلومات الدولية الانترنت في البحث عن مفهوم معين أو قضية محددة.
إن إدخال الحاسوب إلى المدارس دون أن يسبق ذلك إجراء المزيد من البحوث وعمليات التجريب والتحليل الدقيق، يُعدّ تهوراً تعليمياً، وإذا أردنا أن نكون منصفين فيجب علينا أن نسأل أنفسنا ونقارن بين مستويات التعليم قديمًا أي قبل التعلم الرقمي وما حدث في العصر الرقمي، ونرى أيهما الأفضل في جوانب معرفية وإدراكية عديدة سواء كانت في النتائج، أو في مستويات الذكاء، أو في جانب الإدراك والتبصر، أو في الجانب النفسي، والتصرف برشد، والسلوك المنضبط، والقيم الاخلاقية، وهكذا.
إن أثر التعلم الرقمي ليس معروفاً حتى الآن على تعلم الطلاب وانعكاسه على مستوياتهم، وذلك أن هذا التعليم مركّزٌ في المقام الأول على التدريس والاستخدام البدائي للحاسوب، ولم تتمكن حتى الآن أي تجارب واسعة من تأكيد أن لدى استخدام التعلم الرقمي وتكنولوجيا المعلومات في التدريس والتعلم تأثيراً إيجابياً على نتائج الطلاب .
فعلى سبيل المثال ، اتضح أن هناك أثر معرفي على نتائج الاختبارات في الرياضيات واللغة الأسبانية في كولومبيا، وذلك بسبب استخدام تدريس مهارات الحاسوب وعلى العكس من ذلك ففي الاكوادور وجدت هذه المبادرة آثارًا سلبية على نتائج امتحان اللغة، وأثبتت دراسة تقويمية لأثر الحاسب الآلي المنزلي المقدّم من وزارة التربية الرومانية، أن الطلاب الذين يعيشون في منازل مجهزة بالحاسب الآلي، قد حصلوا على علامات مدرسية أقل بكثير في الرياضيات واللغة الإنجليزية واللغة الرومانية، وإن كانوا قد حصلوا على علامات أعلى في مهارة الحاسب الآلي.
ما المظاهر الخلقية التي يفرزها مشروع التعلم الرقمي؟
أفرز التعلم الرقمي عددًا من السلوكيات الفكرية والتربوية، لم تكن موجودة في جيل ما قبل الشاشة الإلكترونية، وذلك أن كل تغيير يحدث في المجتمع تتأثر به منظومة التربية والتعليم، وذلك كنتيجة طبيعية تحدثها التقنية وتكنولوجيا التعليم، ولأن المدرسة هي حارسة القيم، والمكان الذي يبث الهوية الأخلاقية بين نفوس الناشئة، فإنها مكلّفة بحماية هذه الهوية، والحفاظ على عقيدة الأمة وثقافتها من الاختراق والانحراف.
ولعل أبرز هذه القيم : التركيز على الذات، والشعور بالتمايز على الآخرين، وذلك بمجرد النشر وبث المعلومات، مما يجعله يضفي الطابع الشخصي على المعارف، وأسفر هذا أيضا كما يقول (واطسون ) عن تفضيل قيمة العزلة التي فرضتها التقنية على مستخدميها، فأصبح المتعلم يفضّل التعامل مع الشاشة على التعامل مع البشر، الامر الذي أدّى إلى التقليل من التفكير والإدراك وقلة الصبر، وعلى الرغم من شدة الإنتباه للمتعلمين في العصر الرقمي، لفرز سيل المعلومات المتدفقة على الذهن، إلا أن ذلك أدى إلى أن يكون الفهم لديهم ضحلاً والتركيز ضعيفاً.
لذلك فإن هدر الأوقات والتي تعتبر هي رأس مال المتعلم، في التنقل والتصفح على هذا الفضاء السيبراني، هو إهدار لأثمن ما يملك المتعلم من الدرس والقراءة والتحليل، فهذه الآلات تجعل منه فريسة للوقوع في الأمراض النفسية المستعصية، لأن طبيعتها صمّمت لتكون في اتصال دائم، ولهاث مستمر، تدفعه الرغبة الملّحة لاكتشاف عوالم جديدة ، ومعارف غريبة ، فتستفز مشاعره وحواسه عبر إثارتها تارة، وتشويقها تارة أخرى، حتى ينتهي به المطاف قد مكث الساعات الطوال، بلا طائل معرفي ولا فائدة تربوية.
ومن الضروري إعادة النظر حول تأثير تكنولوجيا التعليم على منهجيات التعليم، وإجراء المزيد من الدراسات حول جدواه التعليمية والنفسية والعاطفية، وكيفية تطويعها للثقافة السائدة، ومن الخطأ أن نقوم بتطبيق المناهج الجديدة للتعلم الرقمي دون تجريب دقيق أو امتحان لها، حتى لا تصبح الجهود الحالية من أجل الظهور السياسي أو الشهرة الإعلامية. كما يتطلب ذلك ضرورة تحييد الشركات الخاصة التي تستثمر في التعلم الرقمي التي تسعى من أجل مصالحها المدفوعة، بل يجب أن يتولى الباحثين في المراكز الحكومية زمام المبادرة في مدى جدوى هذا النوع من التعلم على مستوى الطالب، والأسرة، والمجتمع.
إن النجاح في التعلم الرقمي مرهون باستثمار عدد من الأساليب والطرق التربوية وليس مجرد دخول العصر الرقمي وتعميم إمكاناته وبرامجه على المتعلمين، ولا شك أن البرمجيات التعليمية سوف تكتسح ساحة التعلم الرقمي في المستقبل، وهذا أمر تتسابق إليه الشركات، وإن تم لها احتكار هذه البرمجيات سوف تطوعها لمبادئها وقيمها التي تؤمن بها، وسيؤدي بعد ذلك إلى فرضها للآخرين أو عزلها عن العالم.
إن من الواجب إجراء المزيد من الأبحاث والتجارب التكاملية تجمع تخصصات (علم النفس، المناهج وطرق التدريس، التربية، علم اللغة، علم الإنسان) وذلك للتأكد من نجاح أشكال التعلم الرقمي المختلفة على المتعلمين، والخروج برؤية موحدة حول الآثار الإيجابية والإشكالات السلبية التي تثيرها، ومن ثم تعميم التجربة أو الاستغناء عنها في حال كانت أضرارها أكثر من منافعها، وأصول الفقه الإسلامي تقوم على مبدأ أخف الضررين، وضرورة أن يقود عملية نقل التعليم من تقليديّته إلى رقمنته هم مسؤولو التعليم وليس خبراء التقنية، وذلك لأنهم الأجدر على فهم خصائص النمو المعرفي للأطفال.

وكذلك تعزيز عملية التعليم وسهولة الوصول إلى المعلم في أسرع وقت وذلك خارج أوقات العمل الرسمية.
ردحذف